
نظّمت السفارة، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيتا SETA مؤتمراً بعنوان “من الميدان إلى السياسة قراءة جديدة في الأزمة السودانية” بمقر المؤسسة فى أنقرة اليوم وذلك في إطار الخطة طويلة المدى التي وضعتها سفارة جمهورية السودان لدى أنقرة للتعريف بحقيقة ما يجري في السودان ومخاطبة الرأي العام التركي ومراكز التفكير وصنّاع الرأي .
وجاء تنظيم المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية، مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، بهدف تقديم قراءة معمقة للتطورات الميدانية والسياسية والإنسانية، وتوضيح الأبعاد الحقيقية للصراع، ولا سيما ما يتصل بالتدخلات الخارجية، وشبكات الدعم الإقليمي، ومحاولات إطالة أمد الحرب وتقويض مؤسسات الدولة السودانية
وشارك فى المؤتمر السفير نادر يوسف الطيب، سفير جمهورية السودان لدى الجمهورية التركية، إلى جانب وفد سودانى ضم كلاً من السيد التجاني إبراهيم حاج آدم، مدير الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، والسيد الرشيد محمد إبراهيم، رئيس مركز بحوث العلاقات الدولية، والسيد إسماعيل محمد حامد، مدير العلاقات الخارجية بوكالة السودان للأنباء إضافة إلى عدد من الأكاديميين والخبراء الأتراك وممثلى مراكز الفكر والإعلام والمهتمين بالشأن السودانى.
وفى كلمته أمام المؤتمر، أكد سعادة السفير نادر يوسف الطيب أن ما يشهده السودان لم يعد نزاعاً داخلياً بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى حرب ذات أبعاد إقليمية ودولية، مشيراً إلى أن المليشيا المتمردة لم تكن تمتلك، قبل الحرب، المعرفة أو القدرات العسكرية التي تمكنها من استخدام الطائرات المسيّرة أو إدارة عمليات عسكرية معقدة بصورة احترافية.
وأوضح أن الدعم الخارجي ولا سيما من دولة الإمارات العربية المتحدة، شكّل العامل الحاسم في إطالة أمد الحرب، من خلال التمويل والتسليح والتدريب وجلب المرتزقة والخبراء من دول عدة
وأشار السفير إلى أن الحرب كان يمكن أن تنتهي خلال شهر أو شهرين لولا التدخلات الخارجية، مبيناً أن المليشيا تلقت دعماً ضخماً شمل مليارات الدولارات، واستجلاب أكثر من عشرة آلاف مرتزق من دول بعيدة وقريبة، من بينها كولومبيا وجنوب السودان وليبيا وسوريا، فضلاً عن خبراء في القنص وتشغيل الطائرات المسيّرة
وأضاف أن استهداف مطار الخرطوم ومحاولة ضرب البنية التحتية المدنية يؤكدان أن المليشيا لا تتحرك بإمكاناتها الذاتية، وإنما ضمن شبكة دعم وتوجيه خارجية تستهدف منع عودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة وإخافة المدنيين من الرجوع إلى ديارهم
كما شدد سعادته على أن حكومة السودان سعت منذ الأسابيع الأولى للحرب إلى الحل السلمي، ووقّعت في مايو 2023 إعلان جدة تحت رعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، إلا أن المليشيا لم تلتزم بتنفيذ الاتفاق
وأكد أن الحكومة السودانية ما تزال تعتبر إعلان جدة أساساً صالحاً للحل، شريطة التزام الطرف الآخر به، ولا سيما ما يتصل بخروج المليشيا من منازل المواطنين والمؤسسات المدنية، ونزع السلاح، وإنهاء الوجود العسكري غير الشرعي.
وأوضح السفير أن الدولة السودانية طرحت كذلك مبادرة سياسية متدرجة تستند إلى إعلان جدة، أعلنها رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن الدولي، وتقوم على تفكيك المليشيا، وجمع السلاح، واستعادة سلطة الدولة، تمهيداً لعملية سياسية سودانية خالصة.
ولفت إلى أن القوات المسلحة السودانية حققت تقدماً كبيراً على الأرض، لا سيما في الخرطوم، حيث أُجبرت المليشيا على مغادرة منازل المواطنين والمقار الحكومية، كما شهدت الفترة الأخيرة انشقاق عدد من كبار قادتها وعودتهم إلى القوات المسلحة في إطار عفو الدولة وسياسة المصالحة لمن يترك السلاح ويعود إلى حضن الوطن.
وأكد سعادته أن المليشيا لا تمتلك قضية سياسية أو مشروعاً وطنياً أو أيديولوجية متماسكة، وإنما تقوم على النهب والارتزاق، مشيراً إلى أن تزايد الانشقاقات في صفوفها يعكس فقدان الثقة بين قياداتها وانهيار دوافعها.
وقال إن القوات المسلحة السودانية تواصل تقدمها، وإن الخرطوم تشهد تعافياً ملموساً، حيث عاد أكثر من مليون مواطن إلى العاصمة، مع توقع عودة أعداد إضافية كبيرة بنهاية يونيو، خاصة بعد انتهاء العام الدراسي في الدول التي تستضيف أعداداً من السودانيين.
وفي جانب آخر، ثمّن السفير مواقف تركيا الرسمية والشعبية الداعمة للسودان، مشيداً بمواقف المجتمع المدني التركي والنقابات العمالية التي نظمت وقفات احتجاجية أمام سفارة دولة الإمارات في أنقرة وقنصليتها في إسطنبول عقب الهجمات على الفاشر، تحت شعار واضح يطالب بوقف التدخل في السودان. كما أشاد بموقف السفير التركي في السودان، الذي تابع التطورات من الميدان وأدان استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مطار الخرطوم.
وأشار السفير إلى أن من مؤشرات تعافي السودان تزايد عودة رجال الأعمال الأتراك وغيرهم إلى الخرطوم لاستئناف أنشطتهم، موضحاً أن عدد الزائرين من رجال الأعمال القادمين من تركيا ودول أخرى ارتفع بشكل ملحوظ خلال شهر أبريل مقارنة بشهر يناير، وهو ما يعكس تنامي الثقة في استقرار الأوضاع وعودة الدولة ومؤسساتها إلى العمل.
من جانبه، أكد السيد التجاني إبراهيم حاج آدم أن الحرب في السودان ليست حرباً بين جيشين أو صراعاً بين جنرالين، وإنما حرب فُرضت على الدولة السودانية عبر مليشيا تعمل لتنفيذ أجندات خارجية تستهدف موارد السودان وموقعه الاستراتيجي ودوره الإقليمي.
وأوضح أن السودان، بحكم موقعه الرابط بين العالم العربي وأفريقيا، وبين شرق القارة وغربها، ظل هدفاً لمحاولات الهيمنة على موارده وإضعاف مؤسساته الوطنية.
وأشار إلى أن القوات المسلحة السودانية تمثل رمزاً رئيسياً لوحدة الدولة الوطنية، بما لها من تاريخ يمتد لأكثر من مائة عام ومشاركات إقليمية ودولية معروفة، مؤكداً أن محاولات تشويه الجيش السوداني أو الدعوة إلى تفكيكه تصب عملياً في هدف إضعاف الدولة والسيطرة على السودان.
كما استعرض الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين في الفاشر والجزيرة وغيرها، بما في ذلك القتل والنهب والاعتداءات على القرى الآمنة واستهداف البنية التحتية والمؤسسات المدنية.
وأوضح أن السودان يمتلك خارطة طريق واضحة لإنهاء الحرب، تقوم على الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية، وإنهاء التمرد واستعادة الأمن والاستقرار، وحماية المدنيين وعودة الخدمات الأساسية، ورفض أي تدخل خارجي في السيادة الوطنية، وإطلاق عملية سياسية سودانية سودانية بعد استعادة الاستقرار، فضلاً عن إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين والنازحين، وتعزيز الشراكات الإقليمية والأفريقية لتحقيق الاستقرار.
كما تناولت جلسات المؤتمر الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة السودانية، وانعكاساتها على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل وليبيا وتشاد وجنوب السودان، إضافة إلى دور الإعلام وحملات التضليل في تشكيل السرديات المرتبطة بالحرب. وناقش المشاركون كذلك موقع تركيا في المشهد السوداني، وأهمية تطوير التعاون السوداني التركي في مجالات السياسة والإعلام والتنمية وإعادة الإعمار والتعليم وبناء القدرات.
واختُتم المؤتمر بالتأكيد على أهمية استمرار التواصل مع مراكز الفكر والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية التركية، بما يسهم في نقل الرواية السودانية للرأي العام التركي بصورة مباشرة وموثوقة، وتعزيز الفهم العميق لطبيعة الحرب في السودان بوصفها معركة دفاع عن الدولة الوطنية ومؤسساتها وسيادتها ووحدة شعبها.
كما عبّر المشاركون عن تطلعهم إلى أن تسهم مخرجات المؤتمر في بلورة توصيات عملية تدعم جهود إنهاء الحرب وتعزز مسار العلاقات السودانية التركية في المرحلة المقبلة.




